الثلاثاء، 30 يوليو 2013

ابو وزه


ابو وزه

منذ اللحظة الأولى لظهوره بالقرية الصغيرة ولم يسمع أهلها منه إلا جملة واحدة لا يمل من تكرارها { اديني وزه ..... أنا عاوز وزه } كانت مثار دهشة الكبار والصغار .. عندما يفاجأ مَنْ بالمنزل بمن يدخل عليهم فجأه بملابسه الرثه
والتي لم تكن الا جلبابا فقط يزداد اتساخا بمر الأيام صائحا بهم
{ اديني وزه} {انا عاوز وزه}
مظاهر البؤس التي تعلوه لم تستطع ان تمحو مسحه من عز ووقار كانت تلوح في عينيه من خلال نظرته الثاقبة وشعاع الامل الذي يطل منها مما زاد من تساؤلات الناس عن اصله وقصته , فمنهم من يقسم بأغلظ الإيمان انه ابن عز جارت به الأيام بعد ان خسر أمواله في البورصة وهرب من ديونه بالجنون . ومنهم من يقول انه ضحية حبيبة هجرته وهجره عقله معها , ومنهم من يمصمص شفتيه أسفا لقسوة زوجة الأب ذات الخمسة والعشرين ربيعا التي تزوجها أبوه العمدة وهو في الستين من عمره فأغوته وعندما لم تنل منه ما تريد اتهمته بالتهجم عليا فطرده أبوه ولم تنسجم معه نفسيته فعاش بائسا
وهو في صمته الذي لا يخرج منه إلا بعبارته الواحدة { اديني وزه} {أنا عاوز وزه } ومع الأيام اصبح مَعْلَمَا من معالم القرية حتى أن أبناء القرى المجاورة أسموها تندرا أول الأمر بعزبة أبو وزه , إلا انه اصبح مع الأيام اسم شبه رسمي , واصبح غيابه عن القرية يثير الكثير من التساؤلات , فهو في شوارع القرية نهارا لا يبالي بحرارة شمس الصيف أو برد الشتاء يتندر به الأطفال منهم من يجري خلفه ممسكا بعصا يحاول رفع جلبابه عنه ومنهم من يتصايح خلفه {أبو وزه اهه} إلا طفل وحيد تعلم منه الصمت البليغ وكثيرا ما شاهدهما أهل القرية معا وقد حدثت بينهما ألفة غريبة حتى أن ظرفاء القرية قالوا أن أبو وزه فقس فرخ صغير كان الغرباء عن القرية يستغربون وجود شاب فتيّ في الخامسة والثلاثين من عمره يمشي في صمت وبجواره طفل بعمر ثلاث سنوات لا تجمعهم صلة دم أو قرابه فقط هو الصمت الرهيب لم ينتب أهل الطفل أدنى قلق من تلك العلاقة التي نشأت بين طفلهم وبين أبو وزه لثقتهم فيه بعد أن عاش بينهم عام كامل لم تبدر منه بادرة غدر أو خيانة ولانشغال الجميع رجالا ونساء في خدمة مزارع العنب الممتدة على مرمى البصر والتي يورد إنتاجها لمصنع النبيذ الوحيد في مصر والذي يملكه والمزرعة بل ومساكن القرية رجل يوناني طابت له الإقامة في مصر هو وأخوه واتخذوا لهم قصرا منيفا على مشارف القرية وكانت حديقة القصر هي مأوى أبو وزه ليلا يتواري في ركن منها محتميا بأسوارها من الحيوانات البرية وقليلا ما استجاب لحارس القصر بالمبيت في غرفته اتقاء للأمطار الغزيرة حين هطولها اما في غير وقت هطول المطر فأمامه الحديقة يتسكع فيها كيف يشاء حتى إذا تعبت قدماه وغلبه النعاس نام في مكانه كيفما اتفق مفترشا الأرض وملتحفا السماء وكثيرا ما أمر له صاحب القصر بفراش وغطاء ولكن كان يرفضهم كان صاحب القصر لا يغادره إلا نادرا فحياته في مزرعته ومصنعه أما أخوه فكان غريب الأطوار محبا للسفر ينفق ببذخ مما جعل أهل القرية يتندرون ويقولون {مال الكُنزي للنزهي} فصاحب المزرعة والمصنع لا ينفق إلا في حدود المقبول وأخوه الذي لا يمتلك إلا القليل يبذر الكثير ولم يكن للخواجة أصدقاء أو أهل يزورونه باستثناء أخته التي تأتيه من اليونان وزوجها وأولادها يقضون أسبوعا سنويا في القرية والمزرعة أما أخوه فزواره كثيرمصريون أجانب حفلات سهرات قمار سكر وعربدة , كانت تلك حياته طوال الأسبوع إلا يوم الخميس من كل أسبوع والذي يحب أن يقضيه وحيدا في غرفته بل وفي القصر كله حيث يكون الخواجه منهمكا في حساب أعمال الأسبوع وسداد أجور الفلاحين والعمال وتصفية حساب الأسبوع في مكتبه بالنظارة خارج القصر وهو اليوم الوحيد الذي يقضيه أبو وزه نائما بعيدا عن ضجيج أهل القرية وفرحهم بنقود الخواجه
ويحين موعد التحاق الطفل الصامت بالمدرسة فعمره الآن سبع سنوات ولكن المدرسة للأغنياء فقط وعام آخر يمر وأبو وزه يعيش في القرية للعام الخامس بشكل مستديم إلا من أيام قليلة كان يختفي فيها حينما يتجه إلى مقابر القرية يختفي هناك ثم يظهر بعد يومين قادما منها حتى قال عنه الأهالي انه متزوج من جنيه اسمها وزه تسكن في المقابر هي سبب جنونه ويستيقظ أهل القرية في صبيحة يوم جمعه على أصوات سيارات تدخل القرية وهم لم يتعودوا على ذلك فلم يكن بالقرية ليلتها إلا سيارة الخواجه وزادت عليها ليلة الخميس سيارتين كانتا تقلان زوار أجانب لشقيق الخواجه على غير عادته أيام الخميس التي يخلو فيها لنفسه أما صباح هذه الجمعة فكانت السيارات القادمة اكثر من عشر سيارات وسريعا ما تقترب من قصر الخواجه وينزل منها مسلحون يحكموا حصار القصر ويخرجوا بشقيق الخواجه وضيوفه الأجانب ويتحدث إلى أهل القرية من يعرفون صوته جيدا ولكن بحديث آخر غير ما عهدوه منه وبمظهر اخر غير الذي عرفوه . بدلة عسكرية أنيقة تزينها النياشين من كل جانب وممسكا في يده بمسدس يعكس ضوء الشمس قائلا :أهلي وأحبابي أبو وزه يشكركم لحسن ضيافتكم , ومصر تشكركم على الخدمة الكبيرة التي قدمتموها والمساعدة التي ساعدتوها لي عشان اقدر اقبض على اكبر شبكة تجسس بتشتغل لصالح اسرائيل والراس الكبيرة بتاعتهم هوه اخو الخواجه
وليّ رجاء عندكم .. الخواجه راجل شريف . بيحب مصر زيي وزيكم ياريت متحاسبهوش باعمال اخوه الخاين ودا اللي عرفته من تحرياتي في الفتره اللي عشتها معاكم وبجد كانت أحلى سنين ثم انتحى جانبا ورفع الطفل الصامت حتى أوقفه على حافة إحدى السيارات وقال له: ح ارجع تاني ان شاء الله عشان اخدك تتعلم في مصر بعد اذن اهلك طبعا وصعد ومن معه السيارات ملوحا وسط زغاريد وتصفيق أهل القرية وفرحهم بمعرفة الوزة التي كان يريدها منهم أبو وزه
تمت بحمد الله